النسبية العامة


2012-09-09

النظرية النسبية العامة

 

يحتاج القارئ أن يكون ملماً بأساسيات النظرية النسبية الخاصة , لذا نسرد تلخيصا للنسبية الخاصة هنا : - بدأت القصة ببداية فهم الضوء , كانت النظرة القديمة للضوء " النظرة النيوتينية " تقوم على أساس أن الضوء هو عبارة عن مجموعة من الجسيمات التي تتحرك بسرعة مطلقة , لاحظ أن هذا المبدأ يتناقض في الأساس مع قانون نيوتن الثاني الذي يقول بأن الجسم يبقى على حالته من سكون أو حركة ما لم تؤثر عليه قوة تغير من حركته , و لو طبقنا هذا الكلام على جسيمات الضوء , فإن الضوء المنطلق بالقرب من سطح الأرض يجب أن تتوقف جسيماته بعد فترة من الزمن , لذا كان حل نيوتن هو أن الضوء يسير بسرعة مطلقة . على هذا الكلام كانت تحويلات جاليليو التي تحدد موقع الجسم مرصوداً من إطار ثابت أو متحرك , و قد نصت هذه التحويلات على أن التغير الزمن مطلق في جميع الأطر متحركة أم ثابتة .. ( see Galilean transformation ) - في أواخر القرن التاسع عشر , و مع بداية القرن العشرين , نشأت الفيزياء الحديثة , و التي من أهم عواملها النظرة الجديدة للضوء , بأنه عبارة عن مركبتين متعامدتين من موجتين كهربائية و مغناطيسية , تسير بسرعة ثابتة , و تبلغ في الفراغ( 3 * 10^8 ) , و قد كان من شأن هذه النظرة التي تم إثباتها عمليا , أن أدت إلى تغيير النظرة الكلاسيكية للطبيعة , فتم إستبدال تحويلات جاليلو بتحويلات لورنتز , و استطاع أينشتين عام 1905 أن يستخدم هذه التحويلات بشكل جيد , ليعطينا مفاهيم جديدة من خلال النظرية النسبية الخاصة , و تقوم هذه النظرية على مبدأين أساسيين : أولاهما : أن القوانين الفيزيائية متشابهة في جميع الأطر المرجعية المتحركة بسرعات ثابتة بالنسبة لبعضها البعض . ثانيهما : سرعة الضوء في الفراغ تساوي ( 3 * 10^8 ) , و هذه السرعة لا تعتمد على سرعة المصدر أو سرعة المشاهد , و لها نفس القيمة في جميع الأطر ثابتة السرعة . و كان من نتائج هذه النظرية النسبية الخاصة ما يلي :- التمدد الزمني "time dilation" تقلص الطول "length contraction" نسبية كمية التحرك , أو زيادة الكتلة النسبية العامة : لاحظ أن النظرية النسبية الخاصة ينقصها شئ ليكتمل جمالها , فالمبدأ الأول ينصّ على أن قوانين الطبيعة متطابقة , في جميع الأطر المرجعية التي تتحرك بسرعات ثابتة بالنسبة لبعضها البعض , و عن الحديث عن سرعات متسارعة , تقف النسبية الخاصة عند حدودها دون أن تبت برأيها في هذا المضمار كونها مختصة بالسرعات الثابتة , أي أن التسارع يساوي صفر , لذا كانت النسبية العامة ,لتعمم الكلام على جميع الأطر المرجعية مهما كانت سرعتها أو تسارعها . كانت البدايات عندما ظهر لغز قديم حديث , حير علماء كثيرون , إبتداءاً بنيوتن , وليس انتهائاً بأينشتين ! يكمن هذا اللغز في طبيعة الكتلة , فالكتلة لها خاصيتين , تبدوان و كأنهما مختلفتين كثيرا عن بعضهما البعض : - أولا / التجاذب المتعلق بالجاذبية مع الكتل الأخرى , و هي القوة المتبادلة بين أي كتلتين في الكون , و يوضح قانون نيوتن للجذب العام هذه القوة F=G mgm/r^2 . - ثانيا / خاصية القصور الذاتي التي يمتلكها كل جسم له كتلة , بمعنى أن يبذل الجسم ممانعة عندما يتم تسريعه , و هذا ما هو موضح في قانون نيوتن الثاني F=mia و قد تم تحديد الثابت G بحيث تتحقق مساواة كل من قيمة mg & mi و قد وجد بأن هذين المقدارين للكتلة متناسبين بدرجة كبيرة جدا . ولكن ما هو السر في هذا التناسب الكبير بين قوة جاذبية الجسم , و ممانعته للحركة ! هذا هو اللغز الذي حير الكثيرون , تم حله بواسطة أينشتين عندما نشر نظريته النسبية العامة عام 1916 . و قد وضح أينشتين في نظريته بأن هذا السلوك المزدوج للكتلة , هو في الواقع بسبب ترابط حقيقي بين هذين السلوكين , أي الجاذبية و الممانعة أو العجلة . فلنتخيل الأن شخص واقف داخل مصعد ثابت موجود على سطح الأرض , أي يخضع و يتأثر بجاذبية الأرض سنجد أن هذا الشخص يشعر بانجذاب أو انضغاط نحو الأسفل و ذلك بسبب قوة جاذبية الأرض له . و الأن لنتخيل شخص أخر يركب مصعد في الفضاء الخارجي , بعيدا عن أي مجال جاذبية لأي كوكب , و هذا المصعد يتحرك للأعلى بتسارع مساوي لتسارع الجاذبية الأرضية , سنجد بأن هذا الشخص أيضا يشعر بإنضغاط أو جاذبية نحو الأسفل بنفس المقدار الذي شعر به الشخص الأول و بقوة تساوي حاصل ضرب كتلته في عجلة المصعد , أي القوة التي تحرك المصعد للأعلى . تنص النسبية العامة بأن الحالتين هنا متطابقتين تماماً , و أننا لا نستطيع حتى أن نفرق بين الحالتين , و لو كان المصعد مغلق تماما , فلن يعرف راكبه أهو على سطح الأرض أم يطير في الفضاء الخارجي ! هذا الأمر حل مشكلة النسبية الخاصة , فها قد رأينا بأن القوانين تماثلت مع أن الأطر كانت متحركة بسرعات متسارعة بالنسبة لبعضها البعض , و لا يقتصر الأمر على الوزن فقط , فقد بين أينشتين بأنه لا يمكن أن نفرق بين نتائج تجربتين أقيمتا داخل هذين المصعدين , بل إن النتائج ستكون متكافئة تماماً . و لنوضح ذلك بمثال , دعونا نتخيل الشخص الذي داخل المصعد السائر في الفضاء يطلق نبضة من الليزر بشكل أفقي على طول مصعده , سيلاحظ هذا الشخص بأن شعاع الليزر هذا لن يسير بشكل مستقيم , بل سيخضع لإنحاء للأسفل أثناء سيره , أما بالنسبة لراصد خارج المصعد , فسيرى الشعاع يسير بخط مستقيم دون أي إنحنائات , و قس على ذلك للشخص الواقف في مصعد الأرض , نفس الأمر سيحدث , فلو أمسك بليزر و أطلق نبضة سيسجل إنحناء للأسفل بسبب جاذبية الأرض , أما بالنسبة لراصد خارج مجال الجاذبية , فسيلاحظ بأن النبضة تسير بشكل مستقيم . من هنا نستطيع أن نلخص المبدأين الأساسيين للنسبية العامة في التالي : قوانين الطبيعة لها نفس الصيغة "متشابهة" في جميع الأطر المرجعية سواء كانت متسارعة أم لا . مبدأ التكافؤ : مجال الجاذبية يكافئ تماماً إطار مرجعي متحرك بتسارع الجاذبية بعيدا عن أي مجال جذبوي . و كنتيجة مثيرة للإهتمام من نتائج النسبية العامة , أن الوقت يخضع لإعاقة نتيجة الجاذبية , و بهذا فإن ساعة موجودة في مجال جاذبية تسير أبطا من ساعة موجودة في الفضاء بعيدا عن أي جاذبية ! لتوضيح الفكرة : ""لنتصور أننا حصلنا على ساعتين مماثلتين لبعضهما، أي صنعتا بالطريقة ذاتها، وأننا وضعنا واحدة على أرض الغرفة المتسارعة والأخرى عند سقفها هناك مشاهداً عند كل من الساعتين، وأن المشاهدين يتبادلان المعلومات بالإشارات الضوئية. ولنفترض أنه عند كل حركة لعقرب الثواني تنطلق إشارة ضوئية صوب الساعة الثانية. وبمقارنة الفترة المنصرمة بين إشارتين يستطيع أن يقارن كل مشاهد بين زمن ساعة زميله وبين ساعته. وهنا نورد ملاحظتين مهمتين: (1) إن سرعة الضوء ثابتة ولامتغيرة بغض النظر عن سرعة مصدرها. (2) إذا انطلقت إشارة ضوئية من الأرض صوب السقف، فإن السقف يتباعد عن هذه الإشارة الصاعدة بمعدل متزايد بالنظر إلى أن الغرفة متسارعة. وعليه، فإن إشارة ضوئية ستأخذ وقتا أطول من سابقتها حتى تصل إلى سقف الغرفة، حيث إن سرعة ابتعاد السقف عن الإشارة الضوئية الصاعدة يتزايد باستمرار بالنظر إلى تسارع الغرفة. وهكذا، تصل الإشارات الضوئية إلى السقف بمعدل أبطأ من معدل تغير الزمن وفق ساعة السقف. لذلك تبدو ساعة أرض الغرفة أبطأ من ساعة سقفها بالنسبة إلى المشاهد عند السقف. وهذا ما يشاهده أيضاً المشاهد عند أرض الغرفة. فأرض الغرفة تسرع بصورة متزايدة صوب الإشارات الضوئية القادمة من سقف الغرفة. لذلك تبدو ساعة السقف أسرع من ساعة الأرض بالنسبة إلى المشاهد عند الأرض. بذلك فهما يتفقان على أن الزمن أبطأ عند أرض الغرفة منه عند السطح، أي إن الزمن عند السقف يمضي بسرعة أكبر منه عند الأرض "" هذه تعتبر من النتائج المثيرة للإهتمام للنسبية العامة , و من خلال مبدأ التكافؤ نستطيع من هذا الكلام أن نثبت ما يعرف ب (redshift) حيث أن التردد المشَع من ذرة معينة في حال وجودها في مجال جذبوي قوي , ينزاح نحو الأحمر أي يقل تردده في حال حدوث نفس عملية الإشعاع في مجال جذبوي أقل أو أضعف من الأول , و ذلك لأن التردد سيساوي مقلوب الزمن , و عرفنا أن الزمن سيكون للسفلى أبطأ من العليا و بالتالي فمقلوبه "التردد" سيكون للعليا أكبر من السفلى ! و قد تم إثبات ذلك عمليا عن طريق مقارنة التردد المنطلق من إشعاع جاما لذرتين على ارتفاعين مختلفين الفرق بينهما 20 متر عموديا . لنتعرف الآن على مفهوم إنحناء الزمكان ,,, لقد قدم أينشتين طريقة رائعة لوصف العجلة التي يجب أن يتحرك بها إطار مرجعي معين موجود في مجال جاذبية , حتى تختفي هذه الجاذبية بالنسبة لذلك الإطار , و ذلك بتقديم مفهوم إنحناء الزمكان , الذي يصف التأثير الجذبوي في كل نقطة , و هذا المفهوم سيلغي ما يعرف بقوة الجذب المتبادلة بين جسمين والتي قدمها نيوتن في ما سبق . الكتلة تسبب انحناء للزمكان , و هذا الإنحناء يحدد المسار المكاني و الزماني الذي ستسلكه الأجسام الحرة المتحركة في هذا الإنحناء , بمعنى أخر " الزمكان يخبر المادة كيف تتحرك , و المادة تخبر الزمكان كيف ينحني ! " تخيل معي الأن شخصين يتحركان على سطح الأرض في مسارين متوازيين تفصل بينهما أمتار , و تخيل أن اتجاه حركتهما هو نحو الجنوب على طول خطين من خطوط الطول المعروفة , عندما يصل هذين المتحركين إلى خط الإستواء , سيلاحظا أن مسارهما متوازيين مئة بالمئة , و لكن عندما يقتربا من القطب الجنوبي , سيلاحظان أنهما يقتربا من بعضهما البعض و سيلتقيا عند القطب الجنوبي , أي أنهما سيدعيان أنهما تحركا في مسارين متوازيين , و في نفس الوقت كانا يقتربان من بعضهما البعض , " و كأن قوة تجاذب ما كانت تؤثر عليهما نحو بعضهما " وذلك بفرض أنهما يتحركان على سطح مستوٍ , و لكن في الحقيقة هما يتحركان على سطح منحني , و طبيعة السطح المنحني تفرض عليهما أن يتحركا بذلك الشكل , و ليس قوة تجاذب بينهما , بنفس الفكرة قامت النظرية النسبية العامة بإستبدال مفهوم قوة الجاذبية بمفهوم الإنحناء , أي أن اينشتين استخدم المثال السابق و لكن بطريقة عكسية ! و قد تم فعلا إثبات ذلك , إذ تعرض الضوء القادم من أحد نجوم الفضاء نحو الأرض مرورا بالشمس إلى إنحناء عند مروره بالقرب من الشمس , و ذلك بسبب ما سمي بانحناء الزمكان نتيجة الجاذبية !


» بيانات الموضوع :
» كاتب الموضوع : محمد القدرة
التاريخ » : 2012-09-09
تصميم وبرمجة المتحدة لخدمات الانترنت

جميع الحقوق محفوظة © لموقع لغة الروح